محمد باقر الملكي الميانجي

177

مناهج البيان في تفسير القرآن

في الآخرة ، وأنّه عنت له الوجوه ، وخضعت له رقاب الجبابرة ، فلا يتناصرون ، ولا يتمكّنون من إذلال أهل الدّين ، وإهانة المطيعين ، واحتقار المرسلين الموحّدين ، ولا ناصر لهم من دون اللّه كما كانوا في الدنيا . أو أنّ الآية الكريمة في مقام بيان أنّه لا ناصر لهم إلّا بإذن اللّه ومن اللّه ، فإنّ الناصرين والشافعين لا ينصرون أحدا من عباد اللّه الصالحين إلّا بإذنه تعالى ، ولمن ارتضاه لا مطلقا ؟ الظاهر هو الأوّل فإنّه أدلّ على الهوان وأتمّ وأكمل في الخزي والمذلّة . قوله تعالى : « أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتابِ » . الظاهر أنّ المراد من « الَّذِينَ » هم العلماء بالتوراة أو الإنجيل ، أو كليهما . فهم قد علموا بعضا من الكتاب أو لهم نصيب من العلم بالكتاب . والظاهر أنّهم لم يكونوا من حملة الكتاب كلّه . قوله تعالى : « يُدْعَوْنَ إِلى كِتابِ اللَّهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ » . أي يدعون المسلمين أو شخص رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله إلى الكتاب الّذي آمنوا به ؛ للحكومة وفصل القضاء في محلّ التنازع . قوله تعالى : « ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ وَهُمْ مُعْرِضُونَ » . ( 23 ) أي يتولّى بعضهم عن تحكيم كتابهم الّذي بين أظهرهم ، والذي دعوا لتحكيمه ثمّ لم يريضوا بقضائه . فهذا دليل على أنّهم لم يكونوا مؤمنين به ولا مصدّقين له . وإلّا لم يستنكفوا عن قضائه . فهم معرضون عن الحق ويتلاعبون به ويتساهلون فيه . ولعلّ وجه التعبير ب « ثُمَّ » الدالّة على التراخي ، أنّ التولّي بعد التروّي . قوله تعالى : « ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّاماً مَعْدُوداتٍ وَغَرَّهُمْ فِي دِينِهِمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ » . ( 24 ) الظاهر أنّ هذا الّذي لفّقوه ليس إلّا ليكون عذرا لهم على جرأتهم على اللّه ، وتولّيهم عن حكومة الكتاب ، وإعراضهم عن الحقّ ، فإنّهم حسبوا عند أنفسهم أنّ لهم عذاب أيّام قلائل ، وعاقبة أمرهم إلى دار القرار . وهذا من حشويّاتهم الباطلة ، وهوساتهم الخرافيّة ، سواء أكان قولهم هذا من جهة زعمهم أنّهم أحبّاء اللّه أم